القاضي عبد الجبار الهمذاني

216

المغني في أبواب التوحيد والعدل

شبهة لهم ومما تعلقوا به قولهم : إنه تعالى قادر على أن يفضل عبدا على عبد ، وعلى هذا الوجه فضل الملائكة والنبيين على غيرهم ، فيجب أن / يكون في مقدوره ما يفضل به كل عبد على غيره ، ولا يكون ذلك إلا باللطف الّذي يصير عنده العبد مؤمنا فاضلا ، لكنه لا يجب أن يفعله ، وهذا بعيد . وذلك لأنه مبنى على عبارة وجدوها مسموعة في الاستعمال ، ويجب فيما حل هذا المحل أن يعرف معناه من الأمة أو في القرآن ، ثم يتكلم عليه ، ولا يحتج بنفس اللفظ والعبارة . فنحن لا نمنع من أنه تعالى يفضل الأنبياء من حيث يفعل ما يعلم أنهم يختارون عنده سائر ما كلفوه فيفضلون به . وإنما صح ذلك لما كان في مقدوره تعالى ما هذا حاله . وأما من ليس ذلك في مقدوره فلا يصح أن يفعله على هذا الحد . ويجوز أن يقال : فضلهم بأن حكم بفضلهم ودل على ذلك من حالهم ، وأمر بتعظيمهم وإجلالهم ، ولا يصح ذلك فيمن لم يفعل ما يستحق به ذلك . وقد يقال ذلك بمعنى الإخبار عن منازلهم في الثواب ولا يصح ذلك في غيرهم . فكيف يجوز أن يقال إنه تعالى يصح أن يفضل في باب الدنيا « 1 » الكفار على الأنبياء . فأما في باب الدنيا ونعيمها فذلك غير ممتنع ، وقد فعل ذلك بكثير من الخلق ، ولا يستفاد « 2 » ذلك بإطلاق التفضيل ، فلذلك لم ندخله في الكلام . شبهة لهم وربما قالوا : إذا كان الصلاح منه تعالى في باب النعم العاجلة يصح فيه « 3 » التفضل ، فكذلك في النعم الآجلة ؛ فإذا جاز أن يصلح كل فاسد في الوجه الأول ، فكذلك في الوجه الثاني ، وهذا بعيد . وذلك لأن الصلاح في باب الدنيا يرجع

--> ( 1 ) لعلها الدين . ( 2 ) غير واضحة . ( 3 ) في الأصل فيها .